في العام العاشر من البعثة النبوية (حوالي سنة ٦١٩ ميلادية)، مرّ النبي محمد ﷺ بإحدى أصعب الفترات في حياته. فقد كان هذا العام، المعروف بـ عام الحزن ( عام الحزن *n)، مُثقلًا بفقدان شخصيتين أساسيتين في حياته: زوجته الحبيبة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وعمه الحامي أبو طالب.
فقدانان، وابتلاء عظيم
لم تكن خديجة رضي الله عنها مجرّد زوجة للنبي ﷺ، بل كانت أول من آمن به، وأول مسلمة، وأعظم من دعمه نفسيًا، وعاطفيًا، وماليًا. فقد كانت تواسيه عند نزول الوحي الأول، وتشجّعه دائمًا أمام اضطهاد قريش.
وقد حزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا على وفاتها، وقال عنها:
«آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس.»
(حديث رواه أحمد)
وبعد وفاة خديجة بعدة أشهر، تُوفي عمه أبو طالب. ورغم أنه لم يُسلِم، فقد كان الحامي الأول للنبي ﷺ من أذى قريش. وبوفاته، فُتح الباب أمام اضطهاد أشد وأعنف للنبي ﷺ.
بعد هاتين الخسارتين، ازدادت قريش عداءً للنبي ﷺ. فأصبح معزولًا في مكة، بلا سند عائلي ولا رفيق حياة. فذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، لكنه قُوبل بالرفض العنيف، ورُمي بالحجارة حتى سال دمه.
وكانت هذه الفترة من أشد الفترات ألمًا، حتى أن الله سبحانه وتعالى منحه عزاءً روحيًا، وهو رحلة الإسراء والمعراج، وهي معجزة إلهية لتثبيت قلبه.
دروس خالدة للمسلمين اليوم
في عالمنا اليوم، حيث يواجه كثير من المسلمين الفقدان والابتلاءات والوحدة، يبقى عام الحزن مصدر إلهام روحي عظيم:
- فقدان الأحبة ليس عقوبة، بل مرحلة من مسيرة الإيمان.
- النبي ﷺ مرّ بالوحدة، والهجر، والألم، لكنه لم يشكك أبدًا في حكمة الله.
- الصبر، والثبات (الاستقامة)، والتوكل على الله هي أعمدة روحية يجب علينا ترسيخها.
وقد تبِع عام الحزن أحداثٌ عظيمة: الإسراء والمعراج، الهجرة إلى المدينة، ولادة الأمة الإسلامية المنظمة، والانتصارات الكبرى للإسلام.
وهكذا، كانت هذه المحنة نقطة تحول. تُعلّمنا أن في كل ألم حكمة، وأن الإيمان الصادق يظهر في أوقات الشدة.
Laisser un commentaire